أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

39

العقد الفريد

وأنشد أعرابي : لنا جواد أعار النّيل نائله * والنّيل يشكر منه كثرة النيل ان بارز الشمس ألقى الشمس مظلمة * أو زاحم الصّم ألجاها إلى الميل أهدى من النّجم إن تأتيه مشكلة * وعند إمضائه أمضى من السيل والموت يرهب أن يلقى منيّته * في شدّه عند لفّ الخيل بالخيل قولهم في الذمّ الأصمعي قال : ذكر أعرابي قوما فقال : أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء ، ودبغت وجوههم باللؤم ؛ لباسهم في الدنيا الملامة ، وزادهم إلى الآخرة الندامة . قال : وذكر أعرابي قوما فقال : لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق « 1 » ولا وسائد ، فصح الألسن بردّ السائل ؛ جعد الأكف عن النائل . قال : وسمعت أعرابيا يقول : لقد صغّر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه ، وكأنما يرى السائل إذا أتاه ، ملك الموت إذا رآه . وسئل أعرابي عن رجل ، فقال : ما ظنكم بسكّير لا يفيق ، يتهم الصديق ، ويعصى الشفيق ، لا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة ، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه ، ولو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه . وذكر أعرابي قوما فقال : أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم ، وأكثرهم تجرّما على أصدقائهم ؛ يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفحشاء . وذكر أعرابي رجلا فقال : إن فلانا ليعدي بإثمه من تسمّى باسمه ، ولئن خيبني فلرب باقية قد ضاعت في طلب رجل كريم . وذكر أعرابي رجلا فقال : تغدو إليه مراكب الضلالة فترجع من عنده ببدور « 2 »

--> ( 1 ) النمارق مفردها نمرقة وهي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها . ( 2 ) البدور : جمع بدرة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف .